حذر توم باركين، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند، من أن معدلات التضخم في الولايات المتحدة لا تزال أعلى من المستويات المستهدفة، رغم ظهور مؤشرات أولية قد تشير إلى احتمال تراجع الضغوط السعرية خلال الفترة المقبلة.
وقال باركين، في مقابلة خاصة على هامش مهرجان أفكار أسبن في ولاية كولورادو يوم الأحد، إن مستويات التضخم الحالية لا تزال مرتفعة للغاية، مؤكدًا أن الطريق نحو العودة إلى هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2% لا يزال يواجه تحديات.
وجاءت تصريحاته بعد أيام من صدور بيانات أظهرت ارتفاع مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو المقياس المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي لقياس التضخم، بنسبة 4.1% على أساس سنوي خلال مايو، مسجلًا أعلى مستوى له منذ أبريل 2023.
وأشار باركين إلى أن الحرب بين الولايات المتحدة وإيران أسهمت في رفع أسعار النفط وعدد من السلع، لكنه أوضح أن الضغوط التضخمية لم تعد تقتصر على قطاع الطاقة، بل أصبحت أكثر انتشارًا في مختلف قطاعات الاقتصاد.
الفيدرالي يحتاج إلى مزيد من الأدلة
أكد باركين أنه من الصعب التأكد من عودة التضخم نحو مستوى 2% دون وجود عوامل إضافية تدفع الأسعار إلى التراجع، سواء عبر استمرار تأثير أسعار الفائدة الحالية، أو حدوث تباطؤ في سوق العمل، أو ظهور عوامل اقتصادية أخرى تساهم في كبح التضخم.
وأضاف أن انخفاض أسعار الوقود بصورة سريعة في نطاق بنك الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند، عقب تراجع أسعار النفط بعد اتفاق وقف إطلاق النار الأخير بين الولايات المتحدة وإيران، يمثل تطورًا إيجابيًا.
ومع ذلك، أشار إلى أن هناك عوامل أخرى لا تزال تدفع التضخم إلى الارتفاع، من بينها الإنفاق الضخم على إنشاء وتوسيع البنية التحتية الخاصة بالذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن تقييم المسار المناسب للسياسة النقدية سيعتمد على تطورات الاقتصاد خلال الأشهر المقبلة.
مخاوف من استمرار التضخم لفترة أطول
أبقى مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعهم الأخير هذا الشهر، إلا أن عددًا متزايدًا من صناع السياسة النقدية بدأوا يحذرون من احتمال الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة مرة أخرى خلال العام الجاري إذا استمرت الضغوط التضخمية.
وأوضح باركين أن بعض زملائه داخل الاحتياطي الفيدرالي يشعرون بقلق خاص من استمرار ارتفاع أسعار الخدمات، نظرًا لأن التضخم في هذا القطاع يكون عادة أكثر صعوبة في التراجع مقارنة ببقية القطاعات.
كما لفت إلى وجود مخاوف من أن يؤدي بقاء التضخم أعلى من هدف الاحتياطي الفيدرالي لأكثر من 5 سنوات إلى ترسيخ توقعات المستهلكين بارتفاع الأسعار مستقبلًا، وهو ما قد يجعل مهمة إعادة التضخم إلى المستوى المستهدف أكثر تعقيدًا.
يرى باركين أن الضغوط الناتجة عن الرسوم الجمركية وصدمة ارتفاع أسعار النفط مرشحة للتراجع تدريجيًا، وهو ما قد يساعد على تهدئة التضخم خلال الفترة المقبلة.
لكنه أوضح في الوقت نفسه أن هذين العاملين لم ينجحا في إضعاف إنفاق المستهلكين الأمريكيين، الذي ظل قويًا على مدار العام الماضي، وهو ما قد يحد من سرعة عودة التضخم إلى هدف الاحتياطي الفيدرالي، خاصة أن الاقتصاد الأمريكي يعتمد بدرجة كبيرة على الاستهلاك المحلي.
الشركات لا تزال تتصرف وفق بيئة تضخمية
أعرب باركين أيضًا عن قلقه من الطريقة التي تتعامل بها الشركات مع البيئة التضخمية الحالية، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الشركات تأخذ معدلات التضخم الحالية في الاعتبار عند تحديد أسعار منتجاتها، وهو ما قد يؤدي إلى استمرار الضغوط السعرية لفترة أطول.
وأضاف أن هذا الأمر يدعم الإبقاء على سياسة نقدية مقيدة بدرجة معتدلة في الوقت الراهن، باعتبارها الخيار الأنسب لمواجهة التضخم.
وأشار إلى أن الشركات تواجه بالفعل ارتفاعًا في تكاليف الإنتاج، لكنها في المقابل تلاحظ مقاومة متزايدة من المستهلكين لزيادات الأسعار، وهو ما يحد من قدرتها على تمرير كامل الزيادة في التكاليف إلى العملاء.
وخلال زيارة أجراها مؤخرًا إلى غرب ولاية فرجينيا، قال باركين إن عددًا من قادة الشركات أبلغوه أنهم لم يحسموا بعد حجم الزيادات التي سيمنحونها للموظفين خلال العام المقبل.
وأوضح أنهم كانوا يتوقعون في السابق الحاجة إلى زيادات أكبر في الأجور مع ارتفاع أسعار الوقود، إلا أن التراجع النسبي في أسعار البنزين خلال الفترة الأخيرة قد يقلل من الحاجة إلى تلك الزيادات، وهو ما قد يخفف بدوره جزءًا من الضغوط التضخمية مستقبلاً.