تكبدت أكبر الشركات الأمريكية خسائر سوقية تجاوزت 3.3 تريليون دولار خلال 9 جلسات متتالية من التراجع، في موجة بيع عنيفة تفاقمت بعدما أظهرت البيانات ارتفاع التضخم الأمريكي إلى أعلى مستوياته في 3 سنوات.
وسجل معدل التضخم السنوي في الولايات المتحدة 4.2% خلال مايو، مقارنة مع 3.8% في أبريل، ليصل إلى أعلى مستوى له منذ أبريل 2023.
وأظهرت بيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي أن الأسعار واصلت الارتفاع بوتيرة قوية في ظل التداعيات الاقتصادية للحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، والتي اندلعت في أواخر فبراير الماضي.
وساهمت الحرب في قفزة حادة بأسعار الطاقة بعدما ردت طهران عملياً بإغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، والذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط والغاز العالمية.
التضخم المرتفع يعيد سيناريو رفع الفائدة إلى الواجهة
تثير هذه الأرقام قلق الأسواق لأنها تعزز احتمالات لجوء الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى رفع أسعار الفائدة لاحقاً هذا العام، خاصة بعد بيانات التوظيف القوية التي صدرت الأسبوع الماضي.
ويعني ذلك مزيداً من الضغوط على المستهلك الأمريكي الذي يواجه بالفعل تكاليف معيشة مرتفعة وأعباء أكبر على القروض العقارية والتمويل الاستهلاكي.
كما تمثل الفائدة المرتفعة تهديداً مباشراً لشركات الذكاء الاصطناعي العملاقة التي تسعى إلى جمع تريليونات الدولارات لتمويل توسعاتها الضخمة ومشروعات البنية التحتية التقنية.
ورغم صدور بيانات التضخم المرتفعة، فإن الأسواق حاولت في البداية تجاهل الخبر، لكن هذا الصمود لم يدم طويلاً مع تصاعد المخاوف الجيوسياسية وتزايد الضغوط البيعية.
خسائر حادة في وول ستريت
أنهت المؤشرات الأمريكية الرئيسية تعاملات يوم أمس الأربعاء على انخفاضات قوية، حيث تراجع مؤشر ستاندرد آند بورز 500 بنسبة 1.62%، فيما هبط مؤشر داو جونز بنحو 2%.
وبذلك فقد مؤشر ستاندرد آند بورز 500 أكثر من 3.3 تريليون دولار من قيمته السوقية منذ بلوغه أعلى مستوى تاريخي له في 2 يونيو الجاري.
ويبدو أن المستثمرين أصبحوا أكثر قلقاً من التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط، خصوصاً مع تزايد التوقعات بإمكانية توسع العمليات العسكرية.
ووفقاً لتقارير إعلامية، عقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اجتماعاً في غرفة العمليات بالبيت الأبيض لمناقشة خيارات عسكرية إضافية ضد إيران. حيث أفادت مصادر أمريكية بأن إدارة ترامب تدرس تنفيذ عملية عسكرية واسعة النطاق ولكن قصيرة الأمد بهدف زيادة الضغط على إيران خلال المفاوضات.
ورغم حدة التراجعات في الأسواق، يرى بعض المحللين أن جزءاً مهماً مما حدث يعود إلى عمليات جني أرباح طبيعية بعد موجة صعود قوية شهدتها أسهم التكنولوجيا خلال الشهرين الماضيين.
وقال أنجيلو كوركافاس من شركة إدوارد جونز إن الانخفاضات الأخيرة تعكس إلى حد كبير عمليات بيع لجني الأرباح في قطاع التكنولوجيا بعد المكاسب الاستثنائية التي حققها مؤخراً.
وأضاف أن الأساسيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وحجم الإنفاق الضخم على هذا القطاع لم تتغير بصورة جوهرية، لكن الأسواق تشهد حالياً مرحلة تصحيح طبيعية بعد الصعود السريع.
ترامب: أحب التضخم
عندما سُئل الرئيس الأمريكي عن بيانات التضخم الجديدة، قلل من أهمية الأرقام قائلاً إن المؤشرات الاقتصادية كانت ممتازة، مضيفاً: أنا أحب التضخم.
كما كرر توقعاته بأن معدلات التضخم ستتراجع بسرعة كبيرة فور انتهاء الحرب.
إلا أن العديد من الاقتصاديين يشككون في هذه الرؤية، معتبرين أن أسعار النفط قد تحتاج إلى عدة أشهر للعودة إلى مستويات ما قبل الحرب، حتى في حال التوصل إلى تسوية سياسية قريبة.
ويرى المحلل ستيفن إينس أن الصورة ليست سلبية بالكامل كما تبدو للوهلة الأولى، لأن جزءاً كبيراً من الارتفاع في التضخم جاء نتيجة قفزة أسعار الطاقة.
رغم ارتفاع التضخم العام إلى 4.2%، فإن التضخم الأساسي الذي يستبعد أسعار الطاقة والغذاء الأكثر تقلباً استقر عند 2.9%.
وأشار إينس إلى أن التضخم لا يزال تحت السيطرة نسبياً، موضحاً أن النيران اشتعلت بالفعل لكنها لم تمتد بعد إلى جميع مكونات الاقتصاد.
وفي الوقت ذاته، تواصل الأسواق مراقبة المواجهة العسكرية المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تلقي بظلالها على توقعات الاقتصاد العالمي. كما تراجعت الآمال في التوصل إلى اتفاق سلام يعيد فتح مضيق هرمز بالكامل أمام حركة ناقلات النفط، وهو ما يضيف المزيد من الضغوط على أسعار الطاقة.
الفيدرالي أمام اختبار صعب
أدت بيانات التضخم والتصعيد العسكري معاً إلى زيادة المخاوف من اضطرار الاحتياطي الفيدرالي إلى الإبقاء على الفائدة مرتفعة لفترة أطول أو حتى رفعها مجدداً.
ويترأس رئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد كيفن وورش أول اجتماع له الأسبوع المقبل لتحديد السياسة النقدية.
ورغم أن المستثمرين لا يتوقعون رفع الفائدة خلال الاجتماع المقبل، فإن احتمالات الرفع بحلول سبتمبر ارتفعت إلى نحو الثلث وفقاً لتقديرات الأسواق.
وكانت الأسواق قبل اندلاع الحرب تتوقع أن يبدأ الفيدرالي دورة خفض للفائدة خلال النصف الثاني من العام مع تراجع الضغوط التضخمية الناتجة عن الرسوم الجمركية. لكن الحرب قلبت هذه التوقعات رأساً على عقب، بعدما أعادت التضخم إلى الواجهة ودفعت عدداً متزايداً من صناع السياسة النقدية للتحذير من مخاطر ارتفاع الأسعار.
وقالت كاثلين بروكس، مديرة الأبحاث في مجموعة إكس تي بي، إن أسواق النفط لا تزال تراهن على إمكانية التوصل إلى حل سياسي يسمح بزيادة الإمدادات النفطية.
وأضافت أن انخفاض المخزونات النفطية في منطقة الشرق الأوسط يشير إلى استمرار خروج كميات كبيرة من النفط من الخليج، رغم أن الصادرات لا تزال أقل بكثير من مستويات ما قبل الحرب بسبب استمرار القيود المفروضة على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
وأوضحت أن هذا التحسن النسبي في تدفقات الإمدادات يفسر سبب عدم ارتفاع أسعار النفط بصورة أكبر رغم التصعيد العسكري الأخير.
التضخم والانتخابات الأمريكية
تشكل تكاليف المعيشة المرتفعة واحدة من أبرز القضايا التي تشغل الناخب الأمريكي قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر المقبل.
ويأمل الحزب الجمهوري بقيادة ترامب في الحفاظ على سيطرته على مجلسي الكونغرس، إلا أن استمرار التضخم المرتفع قد يزيد الضغوط السياسية على الإدارة الحالية.
وفي حال تمكن الديمقراطيون من استعادة أحد المجلسين أو كليهما، فإن ذلك سيحد من قدرة ترامب على تمرير أجندته السياسية والتشريعية خلال ما تبقى من ولايته.
أظهرت البيانات أن أسعار الطاقة ارتفعت بنسبة 23.5% على أساس سنوي خلال مايو، بينما قفزت أسعار الوقود بنسبة 40.5%. كما ارتفعت أسعار المواد الغذائية للشهر الثاني على التوالي بنسبة 2.7% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وشهدت قطاعات أخرى زيادات ملحوظة شملت الرعاية الصحية والعناية الشخصية وتذاكر السفر الجوي والأنشطة الترفيهية.
ويواصل الأمريكيون مواجهة ضغوط الأسعار منذ سنوات، بعدما تعرض الاقتصاد لسلسلة من الصدمات بدأت بجائحة كورونا ثم الحرب الروسية الأوكرانية والرسوم الجمركية وأخيراً الحرب مع إيران.
هل بلغ التضخم ذروته؟
يرى بعض المحللين أن استقرار أسعار الوقود خلال الأسابيع الأخيرة قد يكون إشارة إيجابية على اقتراب التضخم من بلوغ ذروته الحالية.
وقالت كاثي بوستيانسيتش، كبيرة الاقتصاديين في شركة نيشن وايد، إن التضخم ربما يكون قد وصل إلى أعلى مستوياته وسيبدأ بالانخفاض تدريجياً خلال النصف الثاني من العام.
وأضافت أن هذا السيناريو يعتمد بشكل أساسي على التوصل إلى اتفاق قريب مع إيران يؤدي إلى إعادة فتح مضيق هرمز وعودة تدفقات الطاقة إلى طبيعتها.
وفي المقابل، ارتفع التضخم الأساسي إلى 2.9% في مايو مقارنة بـ2.8% في أبريل.
وأشار جريجوري داكو، كبير الاقتصاديين في إي واي بارثينون، إلى أن انتقال أثر ارتفاع أسعار الطاقة إلى بقية مكونات الاقتصاد لا يزال محدوداً حتى الآن باستثناء قطاع الطيران.
الفيدرالي ليس في موقع يسمح بخفض الفائدة
يستهدف الاحتياطي الفيدرالي على المدى الطويل إبقاء التضخم عند مستوى 2%، وهو مستوى لا تزال الأسعار الحالية بعيدة عنه بشكل واضح.
ومع استمرار الضغوط التضخمية وارتفاع مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو المقياس المفضل للفيدرالي، إلى أعلى مستوياته في 3 سنوات، تزداد صعوبة الحديث عن خفض قريب للفائدة.
وقال كريس زاكاريلي، كبير مسؤولي الاستثمار في نورث لايت أسيت مانجمنت، إن الاحتياطي الفيدرالي لن يكون في وضع يسمح له بخفض أسعار الفائدة إذا استمرت هذه الاتجاهات الحالية للتضخم والأسعار.