قفزت أسعار الذهب بأكثر من 2% خلال تعاملات الأربعاء، متجاوزةً مستوى 4 آلاف دولار للأونصة، بعدما اكتسح الديمقراطيون انتخابات التجديد النصفي الأميركية وانتزعوا السيطرة على مجلسي الكونغرس من الجمهوريين، في نتيجة تمثل ضربة سياسية للرئيس دونالد ترمب وتزيد القيود على تمرير أجندته خلال العامين المتبقيين من ولايته.
المعدن صعد النفيس بما يصل إلى 2.5% إلى نحو 4030 دولاراً للأونصة، بالتزامن مع تراجع الدولار وعوائد سندات الخزانة الأميركية، وفق بيانات التداول التي نقلتها بلومبرغ. وفي الساعة 3:12 بعد الظهر بتوقيت سنغافورة، ارتفع الذهب في المعاملات الفورية 2.3% إلى 4020.02 دولار للأونصة، فيما زادت الفضة 4% إلى 51.80 دولار، بعدما سجلت مكاسب بلغت 4.1% خلال الجلسة. كما ارتفع البلاتين والبلاديوم.
تأتي هذه المكاسب بعد شهر صعب للمعدن النفيس، إذ فقد نحو 7% من قيمته خلال أكتوبر، وهبط دون مستوى 4 آلاف دولار للأونصة في نهاية الشهر.
كما تراجع المعدن الأصفر بأكثر من الخُمس منذ اندلاع الصراع الأميركي الإيراني في أواخر فبراير، مع تسارع التضخم الذي دفع إلى تشديد السياسة النقدية، فضلاً عن اتجاه مستثمرين إلى تسييل حيازاتهم من الذهب لتغطية خسائر في أصول أخرى، خصوصاً مع تراجع أسهم شركات الذكاء الاصطناعي.
تراجع الدولار والعوائد يدعم الذهب
تزامنت هذه المكاسب مع تراجع الدولار أمام جميع عملات مجموعة العشر، وسط مخاوف من أن يؤدي الفوز الكاسح للديمقراطيين إلى إضعاف جاذبية الاقتصاد الأميركي للمستثمرين، وتقويض تفوقه على الاقتصادات الكبرى الأخرى، خصوصاً إذا أثرت الرقابة المشددة على استثمارات الذكاء الاصطناعي سلباً على النمو الاقتصادي.
تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية على امتداد آجال الاستحقاق، فيما انخفض مؤشر بلومبرغ للدولار بما يصل إلى 0.4%، وهو أكبر تراجع له في شهرين.
ويستفيد الذهب من تراجع عوائد السندات، إذ تنخفض تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ به، كونه أصلاً لا يدر عائداً. كما يزيد ضعف الدولار جاذبية المعدن النفيس، إذ يجعله أقل تكلفة للمشترين الذين يحملون عملات أخرى.
وصرح كريستوفر وونغ، الاستراتيجي لدى أوفرسي-تشاينيز بانكينغ كورب (Oversea-Chinese Banking Corp)، لـبلومبرغ يوم الثلاثاء، إن الذهب يكتسب زخماً مع تقييم الأسواق لاحتمال أن تحد المكاسب القوية للديمقراطيين من الأجندة المالية لترمب، وتقلص توقعات التوسع المالي الإضافي خلال العامين المقبلين.
فوز الديمقراطيين يحد من التوسع المالي
فسرت الأسواق تقدم الديمقراطيين باعتباره عاملاً يقلص احتمالات تبني إدارة ترمب أجندة مالية توسعية تزيد عجز الموازنة خلال العامين المقبلين، في ظل سيطرة الحزب على مجلسي الكونغرس.
وجاءت النتيجة الانتخابية وسط استياء واسع من ارتفاع تكاليف المعيشة والحرب مع إيران، ما شكل رفضاً شعبياً لسياسات ترمب والحزب الجمهوري. وقد يؤدي تغير موازين القوى في الكونغرس إلى الحد من قدرة الإدارة على تمرير خططها المالية، وهو ما انعكس على تحركات سندات الخزانة والدولار، ومن ثم دعم الذهب.
كانت التوقعات قبل الانتخابات تشير إلى أن سيطرة الديمقراطيين على الكونغرس قد تفضي إلى جمود تشريعي يعرقل تمرير خطط الإنفاق الجديدة، لكنه قد يعطل أيضاً إجراءات خفض الموازنة أو زيادة الإيرادات، وهي خطوات ضرورية لتحسين أوضاع المالية العامة الأميركية. ويحتفظ ترمب، رغم ذلك، بحق النقض الرئاسي، ما يحد من قدرة الكونغرس على فرض تغييرات تشريعية من دون توافق أوسع.
ويرى مات ميسكين، الرئيس المشارك لاستراتيجيات الاستثمار لدى مانولايف جون هانكوك إنفستمنتس، أن الجمود التشريعي قد يقلص مخاطر ارتفاع العوائد الحقيقية بفعل السياسة المالية، معتبراً أن ذلك سيكون تطوراً إيجابياً للغاية بالنسبة للذهب، وفقاً لـبلومبرغ.
مفارقة العجز المالي والعوائد الحقيقية
تضع المخاوف بشأن الدين والعجز المالي الأميركي المستثمرين أمام معادلة معقدة؛ فارتفاع أعباء الدين قد يعزز جاذبية الذهب باعتباره مخزناً بديلاً للقيمة، خصوصاً إذا تراجعت الثقة في الدولار. لكن استمرار التوسع المالي قد يدفع عوائد السندات إلى الارتفاع، ما يزيد تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بمعدن لا يدر عائداً.
وقال أنتوني ساغليمبيني، كبير استراتيجيي الأسواق لدى أميريبرايز (Ameriprise)، لـبلومبرغ، إن الكونغرس المقبل سيرث أوضاعاً مالية صعبة أياً كانت تركيبته، مشيراً إلى أن الجمود التشريعي قد يعطل الإنفاق، لكنه قد يعرقل أيضاً خفض الموازنة أو زيادة الإيرادات، وهما إجراءان صعبان سياسياً لكنهما ضروريان لتحسين المالية العامة.
تتوقف المحصلة على استجابة صناع السياسة النقدية؛ فإذا حافظ الاحتياطي الفيدرالي على مصداقيته واستعداده لرفع أسعار الفائدة لكبح التضخم، فقد يصبح ارتفاع العوائد عاملاً ضاغطاً على الذهب، بدلاً من أن يؤدي إلى تراجع الثقة في الدولار.
الحرب مع إيران والتضخم يحددان اتجاه الذهب
رغم المكاسب القوية، لا تزال تحركات الذهب متقلبة منذ بداية الأسبوع، في ظل إشارات متضاربة بشأن تقدم المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران. وجرى تداول خام برنت الثلاثاء قرب مستوى 104 دولارات للبرميل، ما يوفر بعض الارتياح للاقتصادات الآسيوية المستوردة للطاقة بعد أسابيع من الأسعار المرتفعة. وجاء التراجع الأخير مدفوعاً باستئناف التحركات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران، رغم استمرار المخاوف من تجدد الضربات الأميركية بعد انتخابات التجديد النصفي.
وكان ارتفاع أسعار النفط قد أجج مخاوف التضخم وعزز توقعات تشديد السياسة النقدية، ما ضغط على الذهب رغم تصاعد المخاطر الجيوسياسية، ودفع بعض المستثمرين إلى تفضيل أدوات الدين الحكومي ذات العوائد المرتفعة. ويعكس ذلك أن المعدن النفيس لم يحافظ خلال العام الجاري على أدائه المعتاد كملاذ آمن في مواجهة الاضطرابات الجيوسياسية، إذ طغت أحياناً مخاوف التضخم وارتفاع العوائد على الطلب التحوطي.
طفرة الذكاء الاصطناعي تنافس الذهب على السيولة
لا يرتبط مسار أسعار الذهب بالانتخابات الأميركية وحدها، بل أيضاً بمدى استدامة طفرة الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. فقد أدى الإنفاق الضخم على تطوير البنية التحتية لهذه التكنولوجيا إلى زيادة لجوء الشركات إلى أسواق الدين، بالتزامن مع احتياجات الحكومة الأميركية لتمويل عجزها، ما يضيف ضغوطاً صعودية على عوائد السندات ويحد من جاذبية الذهب.
وقال روجر ألياغا دياز، الرئيس العالمي لبناء المحافظ الاستثمارية لدى فانغارد غروب (Vanguard Group)، لـبلومبرغ، إن طفرة الإنفاق الرأسمالي على الذكاء الاصطناعي تمثل إحدى أقوى دورات الاستثمار منذ عقود، ومن غير المرجح أن تتوقف فجأة. وقد يؤدي استمرارها في دعم النمو الاقتصادي إلى إبقاء العوائد مرتفعة، بما يشكل تحدياً أمام تعافي المعدن النفيس.
وترى فانغارد أن العجز المالي الكبير لا يصب بالضرورة في مصلحة الذهب؛ فإذا حافظ صناع السياسات على مصداقيتهم واستعدادهم لكبح التضخم، فقد يؤدي التوسع المالي إلى ارتفاع عوائد السندات، وهو ما يضغط على المعدن الأصفر بدلاً من أن يدفع المستثمرين إلى التخلي عن الدولار.
هل تستمر مكاسب المعدن الأصفر؟
رغم قوة رد فعل الذهب الأولي، فإن استمرار الصعود سيظل مرتبطاً بتطورات عدة، في مقدمتها مسار الدولار وعوائد السندات، وتوقعات أسعار الفائدة الأميركية، فضلاً عن البيانات الاقتصادية المقبلة والتوترات الجيوسياسية.
وفي هذا السياق، تترقب الأسواق تقرير الوظائف الأميركي المقرر صدوره الجمعة، وسط توقعات بارتفاع عدد الوظائف المضافة خلال أكتوبر إلى 65 ألف وظيفة، بأكثر من مثلي الزيادة المسجلة في الشهر السابق، مع استقرار معدل البطالة عند 4.2%. وقد تؤثر البيانات في توقعات مسار أسعار الفائدة، وبالتالي في تحركات الدولار وعوائد السندات والذهب.
وشهدت الوظائف الشاغرة في الولايات المتحدة ارتفاعاً حاداً في سبتمبر في حين انخفضت حالات التسريح من العمل، مما يدعم آراء خبراء الاقتصاد بأن سوق العمل لا تزال قوية رغم مكاسب التوظيف المتواضعة خلال ذلك الشهر. وارتفع عدد الوظائف الشاغرة، وهو مؤشر على الطلب على العمالة، 333 ألفاً إلى 7.523 مليون وظيفة بحلول آخر يوم من شهر سبتمبر، طبقاً للتقرير الصادر عن مكتب إحصاءات العمل التابع لوزارة العمل أمس الثلاثاء.
ولا تعني نتيجة انتخابات التجديد النصفي بالضرورة تحولاً فورياً في السياسة النقدية أو المالية الأميركية؛ إذ تظل قدرة الكونغرس على تغيير السياسات مرتبطة بالتوازنات التشريعية، فيما يحتفظ الرئيس بحق النقض على القوانين. لذلك، قد يتوقف استمرار مكاسب الذهب على ما إذا كانت الانتخابات ستؤدي فعلياً إلى زيادة المخاطر السياسية والاقتصادية، أم أن الأسواق ستتعامل معها باعتبارها عاملاً مؤقتاً في موجة إعادة تسعير الأصول.
كما قد تعيد احتمالات الركود التضخمي جاذبية الذهب، إذا استمرت الضغوط السعرية بالتزامن مع تباطؤ النمو وضعف سوق العمل. وترى كريستينا هوبر من مان غروب (Man Group) أن هذه البيئة قد تكون مواتية للمعدن النفيس، فيما قد تؤدي المواجهات بين البيت الأبيض والكونغرس بشأن الإنفاق أو الإغلاق الحكومي أو سقف الدين إلى زيادة التقلبات وتعزيز الطلب على الملاذات الآمنة.
وبذلك، قد يستعيد الذهب جاذبيته إذا تباطأ النمو أو تراجعت العوائد الحقيقية أو تصاعدت المخاوف بشأن قدرة واشنطن على ضبط أوضاعها المالية. أما إذا واصلت استثمارات الذكاء الاصطناعي دعم النمو، وتمسك الاحتياطي الفيدرالي بسياسة نقدية متشددة، واستمرت سندات الخزانة في تقديم عوائد جذابة، فقد يظل تعافي المعدن النفيس محدوداً.
مشتريات البنوك المركزية تدعم المعدن الأصفر
لا يزال الطلب الرسمي على الذهب يوفر دعماً هيكلياً للأسعار، إذ اشترت البنوك المركزية 321 طناً من المعدن خلال الربع الثالث، بأسرع وتيرة منذ نهاية 2024، وفقاً لتقرير مجلس الذهب العالمي الصادر الثلاثاء. وبلغ صافي مشترياتها المقدرة منذ بداية العام 675 طناً، متجاوزاً بقليل مستواه خلال الفترة نفسها من العام الماضي.
وقال جون ريد، كبير استراتيجيي الأسواق في مجلس الذهب العالمي، لـبلومبرغ إن تراجع أسعار الذهب خلال الربع الثالث ربما شجع بعض البنوك المركزية على زيادة مشترياتها، مضيفاً أن ارتفاع الدولار قد يجعل تحويل جزء من الاحتياطيات المقومة به إلى الذهب أكثر جاذبية لدى البنوك التي تتوقع تراجعه على المدى الطويل. وتصدرت الصين وبولندا قائمة المشترين الذين أعلنوا عن مشترياتهم خلال الربع الثالث، بإضافة 63 طناً و41 طناً إلى احتياطياتهما على التوالي، بينما خفضت روسيا حيازاتها 19 طناً.